Untitled Document
header
navigation bar
Untitled Document
اخترنا لك
 
 
 
 
Untitled Document
 
 
 



عدد الزيارات: 749

بل ما هكذا يا شيخ إبراهيم تورد الإبل !

بقلم الشيخ الدكتور/ صفاء الضوِّي العدوي

  

لست أحب الردود في الصحف ، ولا أميل إلى الاسترسال مع أمواجها ، لا سيما إذا شعرت أن هناك من يقصد إشغال الدعاة وأهل العلم بعضهم ببعض ، حتى لا يتفرغوا لما هو أهم من رصد تيار المخاصمة العنيدة مع الإسلام وقيمه وأخلاقه وتشريعاته من قِبل العلمانيين الذين قبلوا أن تجندهم شياطين الإنس والجن ضد الدين الذي يزعمون أنهم ينتسبون إليه ، فخطرهم على الإسلام عظيم ، وشرهم في كل ميادين التأثير واسع عميم ، فالتنبه لهم ، ونصح الأمة بعدم الاغترار بزيفهم من أهم واجبات الدعوة في هذه الأيام .

وذلك أن كشف حقيقة العلمانية ، وفضح مقاصدها ومراميها يعد من أخطر التحديات التي تواجهنا نحن أهل السنة ، الذين رضوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً .

بيد أن متابعة ما يكتب في الصحف يستلزم تأييد الحق وتعزيزه ، ورد الخطأ ورفضه ، نصرة للسنة ، ومعذرة إلى ربنا ، وأداء للأمانة التي أخذها الله على أهل العلم من عباده .

وقصة ردِّي اليوم أن الشيخ الفاضل صالح النويجم مدير مركز الدعوة والإرشاد في البحرين كان قد كتب قبل أيام مقالاً بيّن فيه الحق ونصر معتقد أهل السنة والجماعة وأشاعه ، قياماً بواجب الدعوة والإرشاد الذي كُلِّف به ، فشكر له ذلك طلبةُ العلم ومحبو الحق ، ومعظمو السنة ، ثم بعد أيام نشرت جريدة الخليج رداً لفضيلة الشيخ إبراهيم المريخي القاضي بالمحكمة الشرعية بالبحرين على مقال الشيخ النويجم بعنوان "ما هكذا يا شيخ صالح تورد الإبل "، وقد جاء في الرد ما يستلزم التعقيب وبيان الحق :

وأرى أن أقدم بين يدي التعقيب على كلام فضيلته  ما يبين أن علماء المسلمين الذين وافقوا الأشاعرة في مسألة تأويل بعض الصفات كالحافظ ابن حجر والإمام النووي وغيرهم كثير رحمهم الله جميعاً ، ليسوا أشاعرة وإنما هم من أئمة أهل السنة والجماعة ، وقد انتفعت الأمة بعلمهم وفضلهم ، ولا يزال أهل العلم والصالحون من أهل السنة والجماعة يعرفون لهم أقدارهم ، ويترحمون عليهم ، ويستفيدون من علمهم ، غير أنهم لا يوافقونهم على خطئهم في موافقة الأشاعرة في تأويل الصفات ومخالفتهم للسلف الصالح من الصحابة والتابعين ، ولا يستلزم ذلك تنقصهم _ معاذ الله - ، كما أن توقيرهم وحبهم والاعتراف بفضلهم لا يلزم منه متابعتهم على الخطأ .

ثانياً : أن الذين أخطئوا من علماء المسلمين فأولوا الصفات وعطلوها ليسوا حجة على النصوص الصريحة من القرآن العظيم ، أو النصوص الصحيحة الصريحة من السنة المشرفة ، كما أنهم ليسوا حجة على السلف الصالح الذين أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات ، وما أثبته له رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم .

كما إنه مما لا ريب فيه أن الأئمة الأربعة ؛ أبا حنيفة النعمان ومالكاً والشافعي وأحمد بن حنبل كانوا جميعاً على معتقد واضح بإثباتهم صفات الله تعالى من غير تشبيه ولا تكييف .

واقرأ إن شئت قول أبي حنيفة النعمان في الفقه الأكبر له ، والمنقول في شرح الطحاوية  ، وقول نعيم بن حماد ، وعلى قولهما خلائق من أئمة أهل السنة خلافاً للفرق التي أولت الصفات فعطلتها .

يقول الإمام أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر: ( له يد ووجه ونفس كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس فهو له صفة بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته ونعمته ، لأن فيه إبطالَ الصفة ) ، فهل عاينت رحمك الله مخالفة أبي حنيفة قول الذين أولوا الصفات وعطلوها ؟! .

بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية تحدى مخالفيه بأن يأتوا بقول للسلف يخالف ما يقول ، بل ارتقى رحمه الله في التحدي فأمهلهم ثلاث سنين ، فلم يظفروا بشيء إلا بشبهة كشفها شيخ الإسلام في المجلس ، وبين لهم أنها خارجة على مورد النِّزاع ، وأنها ليست من آيات الصفات أصلاً . وارجع _ وفقنا الله وإياك _  إلى مجموع الفتاوى       ( 6/15-17) .

ويقول الشافعي رحمه الله : ( لله أسماء وصفات لا يسع أحداً قامت عليه الحجة ردها فإن خالف بعد ثبوت الحجة فهو كافر ... ونثبت هذه الصفات وننفى عنها التشبيه كما نفى عن نفسه فقال : {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } .  وانظر رعاك الله - مختصر العلو للعلي الغفار للإمام الذهبي لتقف بنفسك على أقوال الأئمة الأربعة ، وعشرات غيرهم من العلماء الأكابر وافقوا أئمتهم الأربعة ، وخالفوا المتأولين المعطلين .

كما يثبت الإمام مالك رحمه الله جميع الصفات الثابتة لله بلا تأويل مخالفاً من فعل ذلك من الأشاعرة .

 وقول مالك : الاستواء معلوم ...  إلخ  قول مشهور . وارجع إن شئت لكتاب الأسماء والصفات للبيهقي .

ودونك نقْل الإمام محمد بن الحسن الشيباني للإجماع في ذلك : الأسماء والصفات للبيهقي

كما حكى أبو حاتم وأبو زرعة اتفاق أهل السنة على ذلك (مختصر العلو ).

وثمة أمر ينبغي أن يكون واضحاً وهو أن الإمام أبا الحسن الأشعري رحمه الله قد استقر معتقده على الحق بعد أن أقام على معتقد المعتزلة إلى ما بعد الأربعين من عمره ، حيث أنار الله تعالى بصيرته ، فأعلن رجوعه عن تعطيل المعتزلة ، وأظهر شناعاتهم .

ويعلم الدارسون أن الإمام الأشعري مرّ بثلاثة أحوال ؛ الأول : الاعتزال ، وقد تاب عنه كما بيّنا ، والثاني إثبات الصفات العقلية السبعة وهي : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، وتأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق .

والحال الثالث : إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف الصالح رضي الله عنهم ، وهي طريقته التي أعلنها في كتابه " الإبانة " وهو آخر كتاب صنفه ، وممن أكد نسبة الإبانة إليه : الإمام البيهقي ، والإمام الذهبي ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، والعلامة ابن القيم رحمهم الله جميعاً .

وممن قال برجوعه عن مذهب الاعتزال : ابن خلكان في " وفيات الأعيان" ، والحافظ الذهبي في العلو للعلي الغفار ، وابن كثير في البداية والنهاية ، والسبكي في طبقات الشافعية ، وابن فرحون المالكي في " الديباج المذهب " ، والمرتضى في شرح الإحياء .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ولما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق أهل السنة والحديث ، وانتسب إلى الإمام أحمد كما ذكر ذلك في كتبه ك" الإبانة " اهـ.

وقال العلامة ابن القيم : "أبو الحسن الأشعري وأئمة أصحابه متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين ، وعلى إبطال تأويلها ".اهـ

وترك التأويل هو عقيدة السلف الصالح التي تلقوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، وهي العقيدة السليمة التي ينبغي على كل مسلم أن يعتقدها ، وهي أسلم وأحكم ، بلا ريب .

وأما أن كثيراً من أهل العلم قد أولوا بعض الصفات فذلك مسلّم ، وهاك بعضّ الأقوال تنير لنا الطريق ونحن نطلب العلم ونلتمس الحق :

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : اتبعوا ولا تبتدعوا .

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : قف حيث القوم وقفوا ، فإنهم عن علم وقفوا ، وببصر نافذ كفوا  .

وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله : عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول .

وقال الإمام الشافعي رحمه الله : آمنت بالله ، وبما جاء عن الله على مراد الله تعالى ، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله : الزم طرق الهدى ، ولا يضرك قلة السالكين ، وإياك وطرق الضلالة ، ولا تغتر بكثرة الهالكين . اهـ

ومما لفت نظري في رد فضيلة القاضي قوله : أما علم أن المعهد الديني بالبحرين الذي خرج أجيالا من القضاة والعلماء كان ولا يزال حتى الآن يدرس "جوهرة التوحيد" تأليف الإمام العلامة ابراهيم اللقاني المصري المالكي وهي منظومة تحوي لب عقائد أهل السنة من الأشاعرة؟ أما علم أن مناهج المعهد الديني مقرة من قبل وزارة التربية والتعليم بدولة البحرين وهي إحدى الوزارات التابعة للدولة؟ أما علم أن المعهد الديني له صلة وثيقة بأم الجامعات الأزهر الشريف.

فأقول : لا يخفى على فضيلة القاضي أن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم وقدوتهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر ، وطاعته في كل ما أمر ، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة " كما يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( 3/346) .

كما لا يخفى أن إجماع السلف الصالح عند كافة أهل العلم حجة شرعية ملزمة لمن بعدهم.

وأن الميزان الذي نزن به كل قول أو عمل باطناً وظاهراً مما له تعلق بالدين هو الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح .

وأن أهل السنة لا يعارضون القرآن والسنة بعقل أو رأي أو قياس .

ومن ملامح أهل السنة أيضاً أنهم يحرصون على اجتناب كل ما يسبب الفرقة ، أو يورث البغضاء بين أهل الحق ، ويلتزمون بأدب الخلاف ، وما يقتضيه من الرفق والإنصاف ومراعاة الود والألفة، مع قيامهم بواجب النصح وبيان الصواب والحق ، فهم يحملون أمانة العلم وبيان الحق ، والقيام بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ، كل ذلك مع المحافظة على الجماعة المسلمة بمعناها العام والشامل .

وهم يسيرون في ذلك بميزان دقيق على هدي من الكتاب والسنة ، لا يحكمهم الهوى ، ولا يسيطر عليهم سلطان المذهب ، فولاؤهم للحق وحده .

وفي النهاية أقول إن بعض المتأخرين قد يسمون أهل السنة والجماعة بالأشاعرة بناء على أن الإمام أبا الحسن الأشعري قد رجع إلى معتقد السلف ، ولا شك أن ترك هذه التسميات الموهمة أفضل وأسلم ،  فقد استقر أن المراد بالأشاعرة أولئك الذين يؤلون الصفات فيعطلونها ، وأولئكم هم الذين عنيناهم بنصحنا ، وهم الذين تبرأ من فهمهم الإمام أبو الحسن الأشعري ورجع عنه ، وهم الذين نسأل الله لهم الهداية والتوفيق .

هذا وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

 

 

 

 

 

 

 

 
Aldawy
القائمة الرئيسية
بحث في الموقع
Aldawy

موقع الشيخ الدكتور صفــاء الضوي العدوي 1428هـ
Designed and developed by Abdulaziz Gouda 2007 1428