Untitled Document
header
navigation bar
Untitled Document
اخترنا لك
 
 
 
 
Untitled Document
 
 
 



عدد الزيارات: 338

المأزِق الضنْك

د.صفاء الضوِّي أحمد العدوي                                

 

كيف نصلح الخلل الواقع في حياة الأمة المسلمة ؟!

أَبِيتُ  والله  مهموماً بأمر أمتي ، أُقَلب النظر في أحوالها ، وأطيل التأمل في ماضيها وحاضرها ، وأستشرف من مستقبلها تارةً أياماً بيضاء تُنعش الأمل الراكد في نفسي وتُحْييه ، وتارة أياماً سوداء تصيبني بالرعب معالمُها ، وأحداثُها المتوقعة .

ولقد أجَلتُ خاطري في الماضي القريب ، وتوقفت عند منعطف حاد في تاريخنا .. هناك ، عند انتصار المسلمين على الغرب الصليبي ، ودحره في كل المعارك ، ورده خاسراً على أعقابه ، وعودة الصليبيين إلى بلادهم منهزمين يلعقون جراحهم.

فماذا كان ؟! هل هدّهم اليأس ، وأقعدهم الإحباط مثلما أفسدتنا نشوة النصر ، فلهوْنا ، وغَشِيتْنا من الغفلة غاشية ثقيلة ؟ كلا . .

يحدثنا التاريخ أن المجتمعات النصرانية قامت آنذاك فتكاتفت تكاتفاً متيناً ؛ الشعب والملوك والرهبان ، وانطلقوا جميعاً في مسيرة واحدة ، يداً واحدة ، كلٌ في مجال ما يُحْسن ، واختاروا وسيلة جديدة لقهر الأمة المسلمة وتمزيقها ، وبدأ العمل لذلك بجد وتصميم وحماس ، وتزامَن هذا النهوض الكبير من قِبل أوروبا الصليبية مع انكسار الأمة المسلمة وهبوطها .

لم تكن معركتهم معنا هذه المرة بالسلاح .. بل كانت بوسائل جديدة، بعدما فشلوا معنا في ميدان القتال والسلاح .

كان سلاحهم الجديد هو اختراق الأمة المسلمة ، وتمزيقها من الداخل بأيدي بعض أبنائها ، ووضعوا خطتهم التي اشتملت على إرسال الوفود الواعية المتحمسة ، لرصد كل أحوالنا ، ومراقبة كافة أمورنا ، وكتابة التقارير الدقيقة عن كل شيء ، وكان من أهم ما رصدوه وراقبوه دور العلماء المخلصين في محاولة إيقاظ الأمة وتبصيرهم بما يحدق بنا من أخطار ، ثم ما كان من تجاوب المسلمين وطلبة العلم لذلك .

وكان من مهامهم الأساسية أيضاً في ديار المسلمين البحث والتنقيب عن كتب المسلمين التي حوت علومهم وسجلت تقدمهم في كل مجال من مجالات العلوم ، سواء كانت علوم الشريعة الإسلامية أو العلوم التجريبية في  الطب والكيمياء والفلك والصناعات وغيرها ، فنهبوا كل ما وقعت عليه أيديهم من الكتب والمخطوطات ، ونقلوا هذه النفائس إلى بلادهم ، وعكفوا على دراستها ، بجد ومثابرة .

وعُرفت هذه المجموعات الجوّالة بالمستشرقين ، وكانوا أحد الأجنحة الهامة للغزو الجديد للعالم الإسلامي .

وراح هؤلاء يجوبون ديار الإسلام ، يؤدون عملهم هذا في هدوء وإتقان وأمان ، والمسلمون يرونهم دون أن يفطنوا إلى كيدهم ومكرهم ، ونفذوا فينا كما تنفذ سكين القاتل إلى سويداء القلب .

وعلى إثر هذه التقارير ، اتخذ الغرب قرارهم بانتقاء مئات من أبناء المسلمين لابتعاثهم إلى بلاد الغرب بوهم الدراسة ، بيد أن الهدف كان غير ذلك ، فلم يكن هدف الابتعاث سوى إعداد طلائع مثقفة بعض الثقافة الغربية ، مفتونة بكل ما هو غربي ، كارهة لكل ما يمت بصلة بدين الأمة وأخلاقها وتاريخها ، ولما اطمأنوا إلى أنهم صاروا "جاهزين" أرسلوهم على بلدانهم كما يرسل الجراد على الزرع فيأتي عليه ، وصبّوهم على أمتهم كما تُصَبّ اللعنات . فعاثوا فينا فساداً ، وأقامهم أسيادهم المستعمرون فينا مقام الأساتذة الموجهين ، والعباقرة والمفكرين ، وتبوؤا المناصب العالية ، فكانوا قادةَ الأمة في الفكر والصحافة والسياسة ، وتعاونوا جميعاً ، في دعم ما حَملوا من أفكار ، وما حُمِّلوا من مهام .

واستحكمت غفلة المسلمين فتلقفوا هذه السموم الوافدة ، وابتلعوها كما تبتلع السمكة " الطُّعم " .

وهكذا كان حرص الغرب الصليبي على تنويم المسلمين ، وقطع صلتهم بدينهم وعلمائهم ، وكان سبيلهم إلى ذلك إفساد الناس بالشبهات والشهوات ، وساعدهم على ذلك تلاميذهم وعملاؤهم من بني جلدتنا من الساسة والمثقفين.

تلك هي جذور قضيتنا ، وأُسّ بلائنا ، وأصل حكايتنا .

وكما يُشَخص الطبيب حالة المريض ، ويقف على أسباب علته ، ويصف الدواء ، نحاول أن نشخص حالة الأمة ، بعدما وقفنا على جانب من أسباب علتها .

فمن خلال نظرة فاحصة على شعوبنا المسلمة نجدها الآن  في معظمها  شعوباً مخَدَّرة بالجهل ، وحب الدنيا ، والانشغال بالشهوات ، وقد وهن أمر الدين في نفوس أكثر الناس ، وأصبحت تنظر إلى كل شيء من خلال الدنيا ومعانيها وفتنتها وزخرفها ، ولم تعد تبصر وراء ذلك شيئاً ، ففقدت الرؤيا السليمة ، حين أعرضت عن أمر دينها وآخرتها ، فعاقبها الله سبحانه بأن أفسد عليها دنياها ، فلا تستمتع بشيء منها إلا وهي خائفة ذليلة.

كما رخصت عندها الكرامة ، وسهلت عليها المهانة ، فأفقدتها هذه الصفات الدخيلة الإحساس ، وجعلتها تربة مناسبة ينبت فيها القهر والاستبداد ، ويعشش فيها الظلم والفساد .

وتذكرني هذه المعاني بقصة وقعت لأخ من الدعاة في إحدى البلاد العربية الغنية ، كان هذا الأخ يقف في "طابور" يقدم أوراقه لاستخراج بطاقة صحية ، وكان عدد المتقدمين كبيراً ، وكانت عملية فحص الأوراق تتم ببطء شديد ، فتكلم رجل من رعايا إحدى الدول الإسلامية الآسيوية ، محتجاً على انشغال الموظف   وهو وافد أيضاً من إحدى الدول العربية  بأوراق رجل تجاوز دوره في الطابور ، فزجر الموظف هذا الرجل المحتجّ ، فصعّد الرجل من احتجاجه ، فخرج الموظف من وراء الحاجز ، ودفع هذا الرجل دفعة شديدة ، فأمسك الرجل بيدي الموظف مدافعاً عن نفسه ، فقام ذاك الموظف المفتون بصفعه صفعة شديدة على وجهه سقط على إثرها ذلك الرجل المسلم البسيط على الأرض ، فانتفض ذلك الأخ الداعية ، واندفع ثائراً ، وظل ينادي في الناس ويصيح مندداُ بهذا الظلم ، ويخاطب ذلك الموظف بانفعال وغضب ، إنك ظالم ، أين تحسب نفسك ؟ ، وأين نحن ؟ ، هل نحن في "لاظوغلي " أو في السجن الحربي حتى تضرب هذا الإنسان المسلم بهذه الطريقة المهينة ؟! ، أيها الناس : هذا حرام . لكن أحداً من الناس لم يتحرك ، ولم يساند هذا الأخَ الثائر أحدٌ  ، بل حافظ كل واحد على مكانه في الطابور ، وراح هذا الأخ الداعية يواسي الرجل المضروب ، ويحثه على أن يرفع ضد هذا الظالم شكوى إلى الشرطة ، ويؤكد له أنه سيذهب معه إلى المحكمة أو إلى أي مكان ليأخذ حقه .

وبينما كان الأخ الداعية مذهولاً بتداعيات ذلك الموقف المؤسف ، تقدم موظف آخر زميل ذلك الظالم ، وربّت على كتف المظلوم ، وتناول منه أوراقه ، وسحبه برفق فانسحب معه ، ودخل المكتب ، وجاء موظف آخر ، وتقدم من أخينا الثائر ، ومد يده ليتناول منه أوراقه ليخلص له معاملته ، فرفض الأخ ، وقال له : لماذا تأخذ أوراقي ؟! إن أمامي أربعة أشخاص ، وسأقدم أوراقي في دوري ، ورفض أن يشتروا سكوته بإنهاء معاملته قبل غيره .

ثم بعد قليل خرج الرجل المظلوم ، وقد انتهت معاملته ، ومرّ بجوار الطابور وهو يبتسم لهذا الانتصار ، لقد انتهت أوراقه ، ومضى لحاله ، وبقي الأخ الغاضب لأجل إهانة أخيه المسلم ، وحده ، ليس معه أحد في هذه القضية ، ولا حتى صاحب القضية .

تلك هي القصة أذكرها ، فأذكر مأساتنا مع شعوبنا ؛ هذه الشعوب التي صُفِعت ، ورُكِلت ، وأهينت ، وسُلب منها كل شيء ، فما أبقى لها الطغاة ديناً ولا دنيا .

وماذا أيضاً ؟

حرّك الإيمان قلوب بعض المسلمين ، فاستشعروا مسؤليتهم تجاه أمتهم ، فقاموا يوقظون إخوانهم ، ويطالبون بالعدل ، فانقض الظالمون من الحكام على هؤلاء المصلحين ، فسفحوا بكل وحشية دماءهم ، ووقفت الشعوب تتفرّج على هذا "الفيلم" المرعب في برود وهدوء حيث كان الأمر لا يعنيها .

ومع أن هؤلاء الحكام لم يخصوا الدعاة والصالحين ببطشهم وجورهم ، بل ساموا الغافلين من أهل الدنيا سوء العذاب ، ونكدوا عليهم عيشهم ،  إلا أن هذه الشعوب ظلت تهتف لجلاديها : بالروح بالدم نفديك يا فلان ، و" أنت القائد ديمة ديمة.. " ، إلى غير ذلك من ألوان البلاهة والذل ، وما أكثرها في شعوبنا .

هذا عن الشعوب فماذا عن الحكام ؟ !

لقد كانوا في معظمهم  وياللحسرة  خدماً مخلصين لأعداء الأمة ، باعوا كل شيء ، الدين ، وعزة الأوطان ، وأحلوا قومهم دار البوار ، فعلوا ذلك أحياناً عن جهل وفساد ، وكثيراً عن نذالة وخيانة .

لقد أفسحوا المجال لكل فاسد ليفسد ، وشجعوه ، وأعلوا شأنه ، وكبلوا العلماء والدعاة والصالحين ، ودوّخوهم ، ونكّلوا بهم قتلاً وسجناً وتضييقاً ، حتى باض الكفر والشر في ديار المسلمين وفرّخ ، وبعد أن كان الشر شرارة صغيرة يسهل إطفاؤها ، أضحت حريقاً هائلاً يصعب محاصرته .

وكان من أعوان الحكام الفاسدين علماء فاسدون ، عاطلون ، شاركوا في الهدم ، وأعانوا على الباطل ، وخذلوا الصالحين من العلماء والدعاة ، وخانوا أمتهم ، ولم يحفظوا للدين حرمة ولا للعلم عهداً ، وهم الذين عرفوا بعلماء السلطة ، وقد سجل التاريخ أسماءهم في أسود صفحاته .

والشيء بالشيء يذكر ، فهذا الأزهر ، ماذا كان منه ؟!

ففي الوقت الذي كانت أنظار الأمة تتلفت إلى الأزهر ، متوقعة من علمائه وطلابه قَومة شجاعة أبيّة، وانتفاضة واسعة قوية ، يعلنون فيها استنكارهم لكل ما تعجّ به حياتنا من المنكرات والانحرافات والخيانات ، انتفاضة يخاطبون بها الأمة مؤكدين أنهم قادة أمناء ، ورقباء أوفياء ، وحراس أمناء على عقيدة الأمة وشريعتها وأخلاقها ، وأنهم على علم وإدراك لما يجري من مخططات أثيمة تهدف إلى تمزيق أمة الإسلام لتكون فريسة سهلة لأعداء الله من اليهود والنصارى ، في الوقت الذي ننتظر فيه كل هذا ، لا يأتينا من قِبل الأزهر حسٌّ ولا خبر كأنه غير موجود ، ولا يُطِلّ علينا من المنتسبين إليه في الغالب إلا من يزداد بهم بلاؤنا بلاءً .

ألا إنها أغلال شديدة لابد أن تفك . ومعادلة صعبة من اللازم أن تُحَلّ.

شعوب مستغرقة في غفوتها ، وحكام ناهضة بالهدم على قدم وساق ، وعلماء ودعاة يرزحون تحت نير الظلم والقهر ، وعدو قوي ماكر حاقد يدوس كرامتنا ، وينهب ثرواتنا ، ويسلط حكامنا على صالحينا ، ويلتمس قهرنا وذلنا بكل وسيلة ، ويُغرق بلادنا بدنسه وفحشه وباطله ليقطع صلتنا بديننا ،  ويجتثّ الشجرة التي نستمدّ منها الحماسة والثبات .

فماذا نعمل ؟ يالها من معضلة ، ليس لها من دون الله كاشفة .

ورغم كل هذا التفريط الذي اقترفته الأمة ، فجنت بسببه ما أشرنا إليه من العلقم ، إلا أن رحمة الله التي وسعت كل شيء تداركتنا ، فإذا بجموع غفيرة من الشباب الطيب يتنبهون ، فتتحرك الدعوة إلى الله في كل أصقاع الأرض ، في عودة صادقة مبصرة إلى كتاب الله وسنة نبيه r ، ويتدفق الإيمان مرة أخرى إلى عروق الأمة فيحييها ، ويعود الأمل .

وعلى الرغم من كل الضربات التي تعرضت لها هذه الصحوة المباركة إلا أنها لا تزال قوية صبورة ماضية بالدعوة إلى الله ، هادفة لإيقاظ الأمة كلها ، والعودة بها إلى رحاب الإيمان والعمل الصالح ، وهي بإذن الله تعالى محروسة بعنايته وحفظه على قدر ما في نفوس أبنائها من صدق وثبات .

ألا فلتنهض الهمم ، ولنتحرك بعزم لنوصل الدعوة إلى الكتاب والسنة إلى أبنائنا من شباب الأمة ، لننقذهم من أيدي المفسدين ، والسباق بيننا وبين الأشرار على أشده ، وإذا كانت شياطين الإنس والجن لهم ظهيراً ، فإن مولانا وناصرنا هو رب الأرض والسماء ، ونعم المولى ونعم النصير .

 

 

 

 

 

 

 
Aldawy
القائمة الرئيسية
بحث في الموقع
Aldawy

موقع الشيخ الدكتور صفــاء الضوي العدوي 1428هـ
Designed and developed by Abdulaziz Gouda 2007 1428