Untitled Document
header
navigation bar
Untitled Document
اخترنا لك
 
 
 
 
Untitled Document
 
 
 



عدد الزيارات: 431

بواكير الثمار

د.صفاء الضوي العدوي                             

 

لا تزال أشجارنا - بحمد الله  تثمر ، وتمدنا بأطيب الثمار ، ولا تزال بساتيننا حافلة بالأشجار الطيبة ،كما لا تزال أرضنا الطيبة وفيرة بالبساتين .

روى ابن ماجة من حديث أبي عنبة الخولاني - وكان قد صلى القبلتين مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  - قال  سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول : "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته [1]"

والمعنى أن قدر الله ماض في إبقاء عصابة مؤمنة مهتدية تنافح عن الدين وتظهر أحكامه ، وتشيع هديه ، وتصبر على ما يصيبها من نصب وإيذاء بسبب تمسكها بالحق ، ودعوتها إلى الخير

وما الصحوة الإسلامية الممتدة في أرجاء العالم اليوم إلا صورة واضحة لهذا الغرس الرباني الطيب ، وما منافحتهم عن الدين ، وثباتهم على الحق رغم ما يتعرضون له من ظلم واضطهاد على أيدي الطغاة إلا نفاذاً لقدر الله تعالى وإرادته في أن يهدي بعض عباده ويوفقهم للخير ويستعملهم في طاعته ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم .

تفكرت في هذا الحديث ، وأرخيت العنان للأمل الذي يشعّ منه لينساب إلى أعماقي ، وتذكرت حديثاً دار قريباً بيني وبين  صديق لي صالح عاقل ، أحبه في الله ، وألقاه على فترات متباعدة ، وكان حديثنا حول الأولاد وهموم تربيتهم ، وما يختلج في النفس من قلق على مستقبل الدعوة في أيديهم بسبب ما نراه من ضعف هممهم وقلة خبرتهم ، وصغر اهتماماتهم ، ونزوعهم الكبير للهو واللعب ، وما يحتاجون إليه منا من جهد كبير لمتابعة التعهد لما يحفظونه من القرآن الكريم ، والحرص على الاستفادة التامة من الوقت ، وما ينبغي أن يكونوا عليه من الديانة والتعفف والعقل والطموح ، وما نؤمله فيهم من النبوغ ، وما نذهب إليه مما هو أبعد من ذلك من استيفاء صفات القيادة إلى آخر ما في قائمة الآمال والمطامح الكبيرة التي تنطوي عليها نفس الوالد الداعية العطوف تجاه ولده .

قال صاحبي : يسيطر علينا أحياناً طيف من الإحباط حين نوازن بين ما كان عليه شباب المسلمين في العصور الأولى للأمة المسلمة وما عليه أبناؤنا نحن الدعاة فضلاً عن غيرهم من أبناء المسلمين ، إننا نظن أننا قدمنا لأبنائنا كل شيء نقدر عليه ، فولدي خمسة عشر عاماً قد أتم حفظ القرآن قبل سنتين ، وليس في البيت تليفزيون يفسد علينا ما نبذله معهم من تربية ، وهو متفوق في دراسته ، ولديه حد لا بأس به من الثقافة والفضائل ، بيد أني أشفق دائماً على مستقبل العمل الإسلامي وهو يسلّم لأبنائنا ولما يتوفر لهم القدر الكافي من التربية التي تناسب ما ينتظرهم من تحديات كبيرة ومهام جسام .

وأضاف : إنني أقدر أثر البيئة التي ينشأ فيها أبناؤنا ، وأدرك التباين الهائل بين البيئة الإسلامية الصافية التي كانت ، وبيئاتنا الملوثة بكل أنواع السموم التي تضر بالأخلاق والعقل والصحة النفسية للطفل ، بل بالفطرة ذاتها .

على أنه ينبغي ألا نستسلم لدواعي الإحباط ، بل علينا أن نغذي الأمل في صلاحهم بثقتنا في الله الذي لا يضيع عنده جهد المخلصين من عباده ، وأن نتفرس في مخايل الأبناء أمارات الصلاح والعقل ، فإننا سنجد - بفضل الله تعالى    الكثير من الخير ، وستنقشع عن نفوسنا هموم المخاوف ، وتشرق بعدها الآمال العراض ، ونحس بأفراح الروح .

ثم ابتسم صاحبي وحكى لي قصة ذات دلالة تربوية حصلت له مع ولده ، قال : سبقني ولدي بالخروج من المسجد ، وانتظرني عند الباب ، وحين خرجت طلب مني بصوت خفيض شيئاً من "الفلوس " ، فأعطيته فمال بها ووضعها أمام امرأة أو فتاة كانت تجلس أمام المسجد متلففة في ثيابها ، ثم مشينا عائدين إلى البيت ، وعنّ لي أن أسأله عن سبب اهتمامه بإعطاء تلك الفتاة شيئاً من المال ، فقال : رأيتها وأنا آت إلى المسجد ، وقد وقفت أمام المقهى وسألَتْ ثلاثة من الشباب كانوا يدخنون " الشيشة " ، فأعطاها كل واحد منهم شيئاً ، ثم إنها جاءت وجلست أمام المسجد ، وحين خرجتُ من المسجد في أول الخارجين لم أجد أحداً من المصلين أعطاها شيئاً ، فقدّرت أن يجول في نفسها أن أهل المقهى أعطوني ، والمصلين أهملوني ولم يعطني أحد منهم شيئاً ، قال ولدي: فخشيت عليها من هذا الخاطر ، فبادرت بإعطائها لأقطع على الشيطان كيده بها ، هذا وجه ، والآخر أني غِرت على أهل الصلاة أن يتقاصروا في الفضائل عن أهل الغفلة ولو في نفس تلك المسكينة المجهولة .

قال صاحبي : لا أدري كيف أصف لك سعادتي بما سمعته من ولدي ، لقد بدد من نفسي الكثير من تلك المخاوف ، لقد أينعت ثمار التربية ، وهذه من بواكيرها ، وشعرت أن المستقبل سيكون بإذن الله أفضل ، وأيقنت أن الله لا يضيع أجر المحسنين .

إن الهم بأمر الدعوة ، والتفاعل الوجداني مع قضاياها معيار دقيق للصدق مع الله ، ومقياس صحيح لأثر التربية المنشودة ، إن علينا نحن الآباء حين نحس من أبنائنا ببوادر هذا التفاعل الوجداني أن نزودهم بالدروس المستفادة من التجارب ، وأن نقف بهم قريباً من خطوط الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل ، وأن نحكي لهم مما كان وما هو كائن من القصص الحق في طبيعة الطريق إلى الله ، طريق الدعوة والجهاد ، وأن نبين لهم أنه طريق شاق لكنه طريق لا يمضي فيه إلا الكرام الأوفياء لدينهم ؛ الصادقين مع ربهم ، وأن هذا الطريق ينتهي بأصحابه إلى الجنة حيث النعيم والتكريم .

إنه لابد لهذا الطريق من زاد ، وأول هذا الزاد الإيمان الراسخ في جذور النفس ، الإيمان بالله الواحد الصمد الذي لا يستحق أحد سواه أن يعبد ، فله وحده يكون الخضوع ، وإليه وحده تكون الإنابة والذل ، ولشرعه وأحكامه يكون التسليم التام والإذعان .

إن علينا ونحن نربي أبناءنا أن تكون أول شجرة نغرسها في قلوبهم هي شجرة التوحيد المباركة التي هي أساس الاستقامة والصلاح والفلاح ، إن هذه الشجرة الطيبة إذا ضربت جذورها في أعماق النفس أينعت لنا ثمار الإيمان الزكية من صدق وبذل وعلم وثبات وإقدام وتضحية وصبر وعفاف وجود وسائر الفضائل التي اشتمل عليها الإيمان وتمثلت في أرفع معانيها وأكملها وأزكاها وأشرفها في نفس نبينا المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ، ثم في نفوس أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم .

إن في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم النموذج الحي الواقعي لحركة الإيمان والتوحيد على الأرض ، إنه لابد لأبنائنا أن يعيشوا أحداث هذه السيرة العطرة ، ويقف بهم المربي وقفةً يقظةً متأنيةً عند كل حدث من أحداث السيرة ، فهنا حلمه وصبره ، وهنا صدقه وثباته ، وهنا جوده وكرمه ، وهنا إقدامه وشجاعته ، وهنا عزمه وحزمه ، وهنا قيامه وتلاوته ، وهنا صيامه وزهده ، وهنا سلامة صدره لأصحابه ، وحسن ظنه بهم ، وهنا فراسة ونباهة ، وهنا صفح وعفو ، وهنا تقييم دقيق للموقف وحزم ، هنا يبتسم ويحنو ، وهنا يغضب ويعاقب صلوات ربي وسلامه عليه .

إنها التربية بالسيرة النبوية ، ولن تجد لمثلها تربية ، إنك حين تقول لولدك : خذ بُني هذا الفصل من السيرة فاقرأه ، إنها غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ، كان عدد المشركين فيها أضعاف عدد المسلمين ، لكن المسلمين انتصروا ، قف بُني عند معاني التوكل على الله ، والثقة الكبيرة في نصر الله وتأييده ، وصدق اللجأ إليه سبحانه وقت الشدة ، قف بني عند حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسولهم الكريم وتفديتهم إياه بأنفسهم ، ماذا يعني قول هذا الصحابي حين طعن طعنة الموت : فزت ورب الكعبة ؟ وماذا يعني قول الله تعالى { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألا يجدوا ما ينفقون } ، هل أدركت معنى ضراعة النبي صلى الله وسلم وشدة مناشدته لربه قبل المعركة .

إن الولد سيدرك قطعاً بعد معايشته أحداث هذه الغزوة بعقل واع ، وحسٍ يقظ ، وقلب حي معاني ما كانت لتدرك وتستقر في أعماقه وتشكل سلوكه وتؤسس مشاعره لو أنها قُدمت له نصائح نظرية مجردة ، إنه بعد هذه المعايشة سيوقن أن النصر من عند الله وحده ، وأن الأمر كله بيده سبحانه ، وأنه المعز المذل ، وأنه القادر على كل شيء ، وأنه القاهر فوق عباده ، وأنه سبحانه ولي الصالحين ، وعندها ستمتلىء نفسه بالإيمان ، وتفعم بالحب لله المنعم ، وبالرهبة والرغبة والخوف والخشية والتعظيم له سبحانه ، وتنصاع لأمره راضية خاشعة .

إن قراءته الواعية للغزوة بعقله وفؤاده ستفتح له آفاقاً واسعة من العلم والفهم وتعينه على إدراك عميق لمعاني عظيمة ، منها أنها ستقدم له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة إيمانية عملية ، سيرى جهادهم وإخلاصهم وحبهم للشهادة ، وحقارة الدنيا كلها في أعينهم ، وعظم أمر الآخرة عندهم ، سيرى الإيثار يرفع أقدارهم فيستحي هو أن تهبط به الأثرة ، ويرى الإقدام يشرفهم عند الله وعند المؤمنين ، فيأنف أن يزري به الجبن والتخاذل ، وسيرى البذل والتضحية والإنفاق في سبيل الله تعالى ينبيء عن إيمان كبير وثقة في الله الرزاق المنعم ، ويقين أنه تبارك اسمه لا يضيع عنده أجر المحسنين ، يرى ذلك فيفرِق من أن يكون بخيلاً ممسكاً فتتراخى قبضته عن الدنيا ومعانيها رغبة فيما عند الله .

إنه حين يقرأ في السيرة النبوية العطرة عن غلامين يتطاولان في الصف فيقفان على صخرة ليبدوان أكبر من سنهما ، فيجيزَهما النبي صلى الله عليه وسلم في صفوف المجاهدين فيشتركا في المعركة ، والمعركة ليست نزهة ولا رحلة للعب ، إنها سيوف تبرق ، ودماء تنْزف ، وجراح ، واستشراف للشهادة والجنة ، وإصرار وعزم على نصرة الإسلام ورفع لوائه ، إنه سوف يتساءل : ما الذي يدفعهما إلى هذا المرتقى السامق من المكارم والمعالي ولما يزالان في سن الغلمان ، لابد أن ثمة تربية إيمانية دقيقة مبصرة قد أثمرت هذا الحال العجيب لغلامين مسلمين ، فيطلب هذا الحال من معينه ، ويتعرض لأجوائه .

وسوف يقرأ في السيرة قصة ابني عفراء وهما يتسابقان فينقضا كالصقور على الطاغية العنيد أبي جهل ، يأمل كل منهما أن يفوز بهذا الشرف الكبير ، وليكن دون قتله ما يكون ، فالنفس لله خالقها ، والأجل بيد الله ، والموت قدر محتوم ، لا يؤخره عن العبد جبنٌ ، ولا يعجل به إقدام ، فلا نامت أعين الجبناء ، فهاهم أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم حولهما في المعركة يطيرون إلى الموت ، وينصرون الإسلام ، هذا هو الجو الذي يتربون فيه ، ويتنفسون هواءه .

 إن السيرة النبوية معين لا ينضب للتربية الإسلامية ، بيد أن السبيل الأمثل في الاستفادة منها ، والتوفر على كنوزها يكمن في المربي الواعي الفطن الموفق في الوقوف بالناشىء المسلم عند كل حدث ليلفت نظره للدرس ، ويغرس في أعماق نفسه الفضيلة والإيمان ، ويفعم نفسه بحب نبيه المصطفى وأصحابه الكرام ، ويضعه على طريق التأسي والاتباع ، وبهذا يَكرُم في عين المتربي الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، ومن على منهجهم من العلماء وأئمة الدين وسائر الصالحين ورجالات الإسلام في كل زمان  ،ولن يجد أهل البدع من أعداء الصحابة سبيلاً إلى عقله ، ويرخص الأقزام الذين يتصدرون أمام عينه في زماننا ممن يتنكرون لهذه القيم العظيمة التي تغرسها في نفسه أحداث السيرة العطرة ، إنه سيفهم دونما جهد أو عناء معاني الولاء والبراء ، وسيجد في ذهنه ووجدانه موازين دقيقة ومعايير صحيحه يحدد بها من يحب ومن يبغض ؛ ومن يوالي ومن يعادي ، ستكشف له أضواء السيرة معالم الطريق ، وسيعرف معنى الإيمان والكفر والنفاق .

 

  


 


[1] - رواه ابن ماجة في المقدمة ( رقم 8 ) و حسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 
Aldawy
القائمة الرئيسية
بحث في الموقع
Aldawy

موقع الشيخ الدكتور صفــاء الضوي العدوي 1428هـ
Designed and developed by Abdulaziz Gouda 2007 1428