Untitled Document
header
navigation bar
Untitled Document
اخترنا لك
 
 
 
 
Untitled Document
 
 
 



عدد الزيارات: 328

في ذكري الهجرة .. سلام إلى الصحْب الكرام

بقلم الشيخ الدكتور / صفاء الضوي العدوي                                 

قال تعالى : { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم  ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب )  .

والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .

        وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء " .

ورواه الترمذي وفيه : " فطوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي " .

قال ابن الأثير في النهاية (5/41) :  أي طوبى للمهاجرين الذين هجروا أوطانهم في الله تعالى.اهـ

في هذين الحديثين بيان أن الإسلام بدأ غريباً ، وذلك لقلة من آمن به من المستضعفين ، وكثرة من عاداه وصدّ عنه آنذاك من الوجهاء والمتجبرين ، ثم هاجر رسول الله r   إلى المدينة وهاجر معه أصحابه رضوان الله عليهم تاركين الدور والبساتين والعشيرة راغبين في نصرة الدين مؤثرين صحبة نبيهم الكريم ، لقد قدروا على الهجرة الشاقة التي لا ينهض بها إلا من آمنوا أعظم الإيمان وأصدقه ، لقد وفقوا للهجرة بعدما وفقوا لهجرة الكفر والشرك والمعاصي ، فهاجروا إلى الله في إيمان لا يخالطه شك ، وتوحيد لا يشوبه شرك .

 لقد كتب الله تعالى لنبيه r   وأصحابه رضي الله عنهم الظهور والتمكين  فأضاء نور الإسلام معظم جنبات الأرض ، ثم استدار الزمان لتعود الغربة شيئاً ، فطوبى للغرباء المتمسكين بدينهم ، الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنة النبي r  بالكذب والتحريف ، فيبينون السنة من البدعة ، والهدى من الضلال ، ويصبرون على ما يجدونه من الجهال والمنحرفين ، والطغاة وأهل الشبهات والشهوات ، من النكال والتضييق ، فهؤلاء هم الغرباء ؛ الفارون بدينهم من أوجه الفتن ، المهاجرون إلى الله ، من أرض إلى أرض ليتمكنوا من عبادة ربهم

فهؤلاء ما عليهم بعد ذلك إلا أن يستشرفوا عاقبة المتقين ، وذلك حين يجدون عند ربهم التنعيم والتكريم ، في جنة لا ينتهي فيها السرور والحبور .

وإن من المعاني العظيمة للهجرة استعلاء الإيمان في قلوب المؤمنين ، ويقينهم أن الله تعالى معهم ، ينصرهم ويؤيدهم بما صدقوا وهاجروا وآثروا ما عند الله ، { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } .

ومن المعاني الهامة التي تمدنا بها تلك الذكريات الإيمانية أن نصرة الإسلام لا تتحقق إلا على أيدي رجال صادقين ؛ذوي همم عالية ، يهجرون الباطل بكل صوره مهما كانت علائقه ، ومهما كانت جواذبه ، وينطلقون بقلوب خافقة بالإيمان صوب ميادين الطاعة والانقياد لله وحسن الاتباع لنبيه الكريم r  .

وإن من المعاني البارزة التي نستلهم عبرتها من دروس الهجرة أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم هم أبرُّ الأمة قلوباً ،  وأصدقهم إيماناً ، وأعمقهم علماً ؛ هاجروا مع نبيهم ، فكان حب الله وحب رسوله في قلوبهم أعلى من كل علائق الدنيا وجواذبها ، كما كان الأنصار أنبل الرجال وأشرفهم وأصدقهم حين آووا ونصروا ، والتحموا في إيمان صادق مع إخوانهم المهاجرين ، ضاربين أروع الأمثلة في الإيثار والكرم وسائر أخلاق الإيمان.

ومن المعاني العظيمة التي تملأ النفس إجلالاً لتلك العصبة المؤمنة ما تحدثنا به السيرة العطرة عن تعفف المهاجرين عن أموال إخوانهم الأنصار حين بذلوها بكل رضا النفس وانشراح الصدر ؛ فالبيت بيننا ، واللقمة تكفينا ، موقنين أن البركة التي حلّت بديارهم بمجيء النبي المصطفى وصحبه الأخيار إليهم أعظم من كل ما في الدنيا من مال ، فما كان من المهاجرين إلا الترفع والتعفف ، داعين لإخوانهم بالبركة في أموالهم قائلين : دلونا على السوق ، أي لنعمل ونتكسب ، ونشارك في حركة المجتمع الوليد مشاركة فعالة منتجة ، فما جئنا لنترفه بأموال إخواننا بل جئنا لنعمل ونعطي ونتصدق ونجاهد وننشئ معاً مجتمعاً مسلماً لتنطلق منه راية الفتوح لننشر تحتها الخير والهداية للعالمين .

تلك حقائق التاريخ الساطعة ، بل هي الشمس في رابعة النهار ، شهد بها كل المنصفين ؛ مؤمنهم وكافرهم ، أبيضهم وأسودهم ، عربيهم وعجميهم ، وعمي عنها من عمي ، وما يضر الشمس أن ينكر ضوءها العميان .

إيه يا ذكرى الهجرة ، اسمحي لشذاك الفواح ليعبق الأجواء بما كان من الصاحب الصديق وقد ملأ الحزن والخوف على الرسول الحبيب قلبه شفقة من أن يصيبه مكروه في تلك الرحلة العصيبة ، مدركاً أن هذا النبي المطارَد يحمل بين جوانحه الهداية للبشر ، والسلام للعالم ، والفلاح كل الفلاح لبني الإنسان ، وتتساقط دموعه على وجنة النبي الكريم وقد أغفى في الغار يستريح ، فيقوم ليلقن صاحبة درس السكينة العظيم ، ويفعم نفسه بالاطمئنان ويلقي عليه كلمة الإيمان التي تهز القلوب فرحاً واستبشاراً ، وتبدد منها الخوف والحزن " لا تحزن إن الله معنا " ، تالله ما أحوج الدعاة الصادقين إلى تدبر تلك الآية الحانية العميقة وهي تسكب في النفس كل معاني السكينة والرضا وتولي الله العظيم عباده المؤمنين .

فهل مثل هذا الصديق الكبير يستحق من المنصفين من البشر سوى الإكبار والتقدير ؟!

وهذا صهيب ، نقرأ من قصته فصولاً نيرة وآيات عجيبات من التضحية والبذل تعلمنا من دروس الهجرة درساً فريداً ، وذلك حين قبض عليه سادة قريش حين انطلق مهاجراً ، وساوموه على ماله قائلين : لقد جئتنا صعلوكاً لا تملك شيئاً ، وقد أصبت عندنا المال الوفير ، فلا ندعك تهاجر إلى صاحبك إلا أن تدلنا على المال ، فوقف الصحابي الجليل موقف الإيمان يعلم الأجيال أن الدنيا بكل ما فيها من زخرف ومال لا تساوي في نفس المؤمن إيمانه ، وما كان مثل هذا الموقف أن يكون إلا بعد أن صدق البيعة ، وأمضى مع ربه الصفقة ، فباع نفسه وما يملك لله رب العالمين ، ومضى ثابت الخطو ، ناهض العزم ، لا يتردد ولا يتلجلج  ، ولهذا نراه يستقبل تلك المساومة باستخفاف واستعلاء فيسألهم : إن دللتكم عليه تتركوني وشأني ؟ قالوا : نعم ، فدلهم على المال وآثر دينه ومرضاة ربه وصحبة نبيه ، فلما وصل إلى المدينة كان النبي r  قد علم بذلك فلقيه فاتحاً ذراعيه منادياً " ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى"  .. أجل ربح البيع .. وأي ربح يا صهيب .

فهل يستحق مثل هذا الصاحب الكريم من العقلاء والمنصفين غير الإشادة والإعجاب والتكريم ؟ .

ومن المعاني الكبيرة في قصة الهجرة ما حدثتنا عنه السيرة النبوية من شأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين نام في فراش النبي r  ليوهم المراقبين من مشركي قريش أن النبي لا يزال في فراشه ، بينما كان r  في طريق رحلته مع الصديق تحرسهما عناية الله ، كان عليٌ في الفراش ، ليتلقى هو خطر أي مباغتة غادرة من المشركين اللئام فداء للنبي الكريم ، إنه الإيمان يتسنم الصحابة الكرام ذراه ، جهاداً وتضحية وصدقاً يرسم للأجيال بعدهم معالم الطريق .

فمهما قلبت من صفحات ذلك السجل الناصع لا تجد سوى المكارم في أرفع حالاتها ، والشرف في أعلى مراتبه ، وما أرى البيان يسعفني لأسجل ما يليق بأولئك الصحب الكرام ،فليس إلا القرآن ، وهل أحد أعلم بقلوب عباده من الله علام الغيوب { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما  " .

 

 

 

 

 

 

 

 

 
Aldawy
القائمة الرئيسية
بحث في الموقع
Aldawy

موقع الشيخ الدكتور صفــاء الضوي العدوي 1428هـ
Designed and developed by Abdulaziz Gouda 2007 1428