Untitled Document
header
navigation bar
Untitled Document
اخترنا لك
 
 
 
 
موقع فضيلة الشيخ صفاء الضوي العدوي
 
 
 

حكم المظاهرات والاعتصامات

 

بحث أعده الدكتور/  صفاء الضَّوِّي أحمد العدوي

عضو اللجنة العلمية لرابطة علماء المسلمين

 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد 

المظاهرات : من المظاهرة ومعناها في اللغة : التعاون على أمر، ودليل ذلك في التنزيل: تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } البقرة 85

{ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدا} التوبة 4

{ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} القصص 48

{ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ} الممتحنة 9

{ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} التحريم 4

واصطلاحا هي صورة من صور ممارسة الأمة لحقها في إبداء عدم الرضا بسياسة الحاكم كليا أو جزئيا ، كإنكار الناس تعطيل الحكم بالشريعة ، أو تعطيل شعيرة من شعائرها ، أو تقنين منكرات وكبائر كإباحة الربا والترخيص لمصارف ربوية ، أو إباحة تصنيع الخمور وترويجها ، أو استئثار ثلة من أولياء الحاكم والمقربين منه بمعظم ثروات البلاد والتضييق على بقية الشعب، أو الشكوى من المظالم المتفشية . 

فهي وسيلة من وسائل تقييد السلطة وترشيدها ، والرقابة عليها ومحاسبتها ، وثمرتها ماثلة للعيان حيث كانت وسيلة لجلب المصالح ودرء المفاسد ، وذلك حين كفّت يد السلطة في عدد من بلاد المسلمين عن كثير من المفاسد والمظالم ، فتحقق من العدل وصلاح الأحوال ما لا يخفى .

فالمظاهرات السلمية مباحة بناء على القاعدة المشهورة أن الأصل في الأشياء الإباحة .

تمهيد وتأصيل :

وبعد فإن مسألة المظاهرات والاعتصامات التي تعبر الجماهير من خلالها عن احتجاجها واستيائها من سياسة الدولة فيما يقع عليهم من مظالم في دينهم أو دنياهم هي من مسائل النوازل ، حيث لم تكن المظاهرات وسيلة معمولا بها في العصور الثلاثة الأولى ولذلك لا نجد أقوالا للصحابة أو التابعين حول هذا الأمر.

 على أن ثمة إيماءاتٍ يلحظها بعض الدارسين لا ترقى أن تكون أدلة قاطعة أو شواهد قاضية بجواز أو منع ، ولهذا كان السبيل لبحث المسألة هو النظر في الأدلة العامة والخاصة  للواقعة ، والتأمل في ظروفها الموضوعية ، ومراعاة  اقتضاءات الأحوال،وقواعد الضرورات والحاجات، وما تقتضيه سياسة الخلق بالشرع.

 فمما تقرر في أصول البحث والإفتاء أن يستشرف المفتي أو الباحث آثار الفتوى حالا ومآلا ويقابل بين المصالح والمفاسد ،ثم يفتي بما ينتهي إليه نظره ، وألا يحجم عن إعمال آلة الفقه وقواعد الاستنباط مخافة الخطأ في مسألة ليس له فيها سلف ، فإن إتعاب الفقيه نفسه في النظر والتدقيق ، والسبر والتحقيق ، واجب عليه أو كما يسميه ابن القيم واجب الوقت.

 

فهذه النازلة محل البحث تتطلب تصورها على حقيقتها وتجريدَها مما ليس من جوهرها وأصلها ، فإذا ذهب الباحث إلى الحكم بمنع هذه الوسيلة لأن المتظاهرين يتلفون بعض المرافق ، أو يختلط الرجال فيها بالنساء أو يستعملون السلاح ضد رجال الأمن والشرطة أو أنهم يطالبون بالإذن بأمور منكرة مخالفة للشرع ، فهذا المفتي لم يتعامل مع النازلة تعاملا علميا يبدأ بتصور المسألة وتجريدها مما قد يلابسها في بعض الحالات ، فالحكم على الشيئ فرع عن تصوره من الوجه الذي يناط به الحكم .

ثم ينبغي أن يعطي الباحث أو المفتي المسألة وصفها الفقهي ويرجعها إلى أصلها الشرعي ، وهذا يتطلب فهم المسألة فهما صحيحا وتصورها تصورا تاما ، كما يتطلب المعرفة بأحكام الشريعة وقواعدها ، والعلم بدلالات الألفاظ الشرعية وطرائق الاستنباط .

فثمة نوعان من الفهم لابد منهما للمفتي : الأول : فهم الواقع، والفقه فيه، والثاني : فهم  الواجب في الواقع  ، كما بين ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين .

المرتبة الأخيرة : إصدار الفتوى ، بعد توصيفها ( فهم الواقع والفقه فيه) ، ثم تنزيل الحكم الشرعي على النازلة ، وهناك تنزيل عام وتنزيل خاص ، فالتنزيل العام أن يعطي جنس النازلة جنس الحكم ، والنازلة التي نحن بصددها هي باب من التظلم والمطالبة بحقوق مهضومة ، والمناداة برفع الظلم ومنع المنكرات أو التوزيع العادل للثروات ، فهي مندرجة في الاحتساب إن كان الاحتجاج على منكرات موجودة ، كما تدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمطالبة بالحقوق .

فإذا كان التوصيف المذكور سالما من الاعتراض ، فالحكم أن المظاهرات والاعتصامات المعبرة عن الاحتجاج على مظالم واقعة ، أمر مشروع قد يرقى في بعض صوره إلى الاستحباب أو الوجوب .

هذا حكم عام ، أما الحكم الخاص فيكون إذا اشتمل الوصف على أوصاف جانبية خالطت الوصف الأصلي ، كأن تشتمل الاعتصامات والمظاهرات على أمور منكرة كإتلاف المرافق العامة وتخريب الممتلكات العامة أو الخاصة بالتكسير أو إضرام الحرائق ، أو الإضراب عن العمل فتتعطل مصالح الناس ويتضررون بذلك ، أو المطالبة بالسماح ببعض المنكرات وتقنينها ، أواختلاط النساء والرجال بما يدعو إلى الفواحش والفجور ، ونحو ذلك مما قد تشتمل عليها بعض المظاهرات في بعض البلدان وبعض الأحوال ، فإن الحكم حالئذ يختلف حيث تغير مناطه ، فيكون الحكم بالمنع مستنداً إلى  تلك المفاسد التي دخلت على أصل المسألة .

 

وأمر تنزيل الحكم على المسألة هو أخطر مراتب الاجتهاد،كما يقول د. خالد بن عبد الله بن علي المزيني في دراسته القيمة في فقه النوازل "  إنَّ المشكلة لا تكمن في وفرة المعلومات الفقهية التي تختزن في ذاكرة الفقيه فقط ، ولا في مدى معرفته بالواقعة فقط، بقدر ما تكمن في التوفر على الفقه بالشرع؛ والوعي بالواقع، والاقتدار على سياسة هذا بذاك ". اهـ

فاحتشاد الناس واجتماعهم للتعبير عن رأي أو المطالبة بحقوق مهضومة دينية كالمطالبة بتحكيم الشريعة ومنع المنكرات الظاهرة كوجود الخمور أو أماكن للفساد الأخلاقي كالسينما أو الشواطئ التي ترتكب عندها المنكرات  ، أو المطالبة بحقوق مدنية دنيوية كالعدالة في توزيع الثروات ، وتوفير الوظائف ، أو حق الشعب في الرقابة على بيت المال وسائر شئون الدولة ، ومساءلة ولاة الأمر عما يقع في المجتمع من مظالم ، هذا الخروج لأجل تلك المطالب لا يوجد في الشرع ما يمنعه ، بل هو حق للناس ، وهو من التعاون على البر والتقوى ، وهو محمود في الشرع ، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي هو من أوجب واجبات الدين كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، فإن تضمن هذا الاجتماع والتظاهر إتلاف مرافق الدولة أو الإضرار بمصالح الناس كأن يصحبه إضراب عن العمل تتعطل فيه مصالح الناس فقد اشتمل على الإثم والعدوان وهو محرم فلا يجوز التعاون عليه ، فإن خلا من ذلك فلا بأس به.

فالعدل في دولة الشريعة من أهم مقومات وجودها فضلا عن بقائها ورفعتها ، ولهذا كان شأن النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنا عظيما ، فهو من أوجب الواجبات ، وأشرف المقامات ، لما يترتب عليه من بقاء الدولة وصيانة الملة وحماية البيضة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( يجب أن يُعرف أنَّ ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين ولا للدنيــا إلاّ بها ) مجموع الفتاوى 28 /390

 

فخروج الناس إلى مكان فسيح يتفقون عليه للتعبير عن رأيهم السياسي أو المطالبة بما يرونه حقا لهم ، أمر مباح ومشروع ، حيث إن الغاية (المقصد) مشروعة لأنها مطالبةٌ بحق ، والوسيلة لتحقيقه وهي المظاهرة مشروعة مباحة كذلك لا إثم فيها ، فالوسائل تأخذ حكم المقاصد .

فهذه القاعدة هي من القواعد المقررة في الفقه عند أهل العلم، ويعبر عنها بعضهم بقوله: وسيلة الشيء كهو، أو وسيلة الشيء جارية مجراه، أو وسيلة الشيء تأخذ حكمه ـ وكل هذه الألفاظ يقصد بها أن الوسائل لها حكم المقاصد، ، فإذا كان المقصد مأموراً به كانت الوسيلة مأموراً بها، وإذا كان المقصد منهياً عنه كانت الوسيلة منهياً عنها.

والدليل عليها قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ {المائدة: 2

 

 فإذا كان المقصد من التظاهر والاحتشاد ، ترشيدا لمسلك الحاكم وأطْرًا له على الحق والعدل فالوسيلة لذلك مشروعة بل مستحبة ما لم تتضمن مخالفات شرعية ، وهذا هو الأصل في الوسائل ،خلافا لمن قال إنها تعبدية ، وكذلك هي أي الوسائل متعددة الصور لا تنحصر ، فكل ما أعان على تحقيق المقصود مما لم ينه عنه الشرع هو وسيلة مشروعة .

والخلاصة أن المظاهرات لا دليل على تحريمها ، فهي مباحة ؛ فمن احتاج إليها فلا حرج في استخدامها .

وليس مع من حرمها دليل من الكتاب أو السنة أو فعل سلف الأمة .

فقد صدرت فتاوى لعلماء أجلاء ، يقطعون بتحريم المظاهرات ، ولم أجد معهم من الأدلة النقلية أو العقلية ما يقنع ، فمن أقوال بعضهم أنها سلوك وافد من دول الغرب الكافر ، والجواب أنه ليس كل ما يفد من الغرب مرفوض فقد يكون حسنا ، والواقع أن حياتنا مملوءةٌ بوسائلَ ونظمٍ وترتيباتٍ إدارية وتقنيات يسرت الحياة ووفرت الأوقات والجهود وأعانت على تحصيل المقصود في جوانب كثيرة من شئوننا ولم يعترض على كل هذه الأمور أحد من أهل العلم ، بل أهل العلم بأنفسهم يسارعون للاستفادة مما يفد إلينا من منتجات غربية كشبكة المعلومات العنكبوتية ( إنتر نت) وغيرها .

وقال بعضهم كلاماً إنشائياً مثل إنهم يثيرون الفتنة والفوضى ويجرئون الناس على أولياء الأمور ويفتحون باب التمرد وشق العصا ، أو التسبب في إراقة الدماء ونحو ذلك من الأقوال، ونقول : إن كل ما يتسبب في مفسدة تضر المسلمين في دينهم أو دنياهم مرفوض مستنكر ، يجب أن يمنع ، فإذا كان التظاهر للمطالبة بالحقوق ورفع الظلم يترتب عليه إراقة الدماء فننظر ، من يريق الدماء ؟ فإذا كان الجماهير تهتف : يسقط الظالم ، نطالب بتحكيم الشريعة ، أوقفوا المفاسد الأخلاقية في وسائل الإعلام ، أين ثروات البلاد ونحن فقراء لا نجد ما يكفينا ، نرفض فساد القضاء ، أو يتساءلون : ما جريمة عشرات الآلاف من شبابنا حتى يقضوا جل أعمارهم في السجون ، وهم شبان صالحون  متعلمون يطالبون بالإصلاح وتطبيق الشريعة ، فإذا كانت المظاهرات على هذا النحو الموصوف فلا ينبغي أن تمنع ،بل يؤازر القائمون بها ويعاونون ،  فليس من العدل تجريمُها ، فهي مشروعة مباحة .

 

فإذا أطلق الجنود النار على المتظاهرين بأوامر الحاكم فقُتل ناسٌ ، فمن الذي فتح أبواب الفتنة ؟ المقتول المظلوم المسالم الذي كان يهتف بالمطالبة بحقوقه أم القاتل الظالم ؟

فإذا خرج المتظاهرون يعلنون أن تظاهرهم سلمي ، ولا يوجد مع أحد منهم سلاح ، فقط يهتفون وينددون بالظلم والقهر ، فتجمعهم لهذا الغرض مشروع ووسيلتهم مباحة ، وأما وصفهم بالانحراف والفساد والفوضى وإحداث الفتن فخطأ ،لأنه اتهام قد ثبت بطلانه ، وإنما يُهوِّل به أبواق الإعلام والدعاية الكاذبة التي تعودناها من تلك الأنظمة الجائرة .

يقول أحد العلماء الذين يجرمون المظاهرات : أن في هذه المظاهرة الخروجَ على ولي الأمروهو من كبائر الذنوب .اهـ

 ونقول : إن الاحتشاد والتجمع والتظاهر السلمي للإنكار على منكرات ومظالم ، بدون سلاح ، لا يعد خروجا ، بل هو مطالبة بالإصلاح والتغيير وتولية من يُصلِح ، وتشجيع عموم الشعب على مظاهرتهم والتعاون معهم للضغط على الحكام العملاء الفاسدين .

ويقول الدكتور عطية العدلان في مقال له بمجلة البيان : ولقد تناول البعض هذه المسألة تناولاً تجاهل الواقع فيه وتغافل عن السنن الإلهية، وضم إلى ذلك التجاهل والتغافل دواهي كباراً متعلقة بأسلوب البحث العلمي وقواعده، كان منها النظرة الجـزئية والتناول الناقص من خـلال إعمـال بعض النصوص وإهمـال بعضـها الآخـر، وكـان منهـا التعميـم الـذي لا يفرق بين وضع وآخر من الأوضاع المتباينة والمتباعدة زماناً أو مكاناً أو حالاً، وكان منها وضع النص في غير موضعه وحمله على غير ما يُحمَل عليه، إضافة إلى تهمة المجاملة من بعضهم لبعض الأنظمة دلت عليها قرائن إن اجتمعت ارتقت إلى مرتبة القطعيات؛ كل هذا نتج عنه فتاوى اصطدمت بشكل مباشر وصريح مع بدهيات آمنت بها الشعوب إيماناً يُعَد من العبث محاولة زحزحتها عنها؛ أعني تلك الفتاوى التي حرَّمت الثورات واعتبرتها من قبيل الخروج على الحكام "

أدلة من الواقع :

حين هبت على الأمة رياح طيبة وصحوة مباركة ، فانطلق الناس إلى الميادين الفسيحة ليقولوا للظالم : كفى ظلما ، لن نسكت بعد اليوم ، شعر الطغاة بالخوف ، وبدلا من أن يعتذروا على ما فعلوه في شعوبهم ويطلبوا الصفح ويسلموا البلاد لمن يعدل ويصلح لجّوا في طغيانهم يعمهون ، وأمروا بالقتل والضرب في سويداء القلب ، فصبر الناس وظلوا يهتفون: يسقط الظلم : فانهار ولم يقو على مواجهة الجموع التي قررت أن تضحي لتنقذ الأجيال من حفنة الأشرار ، فولى دبره .

  فهذا البلد المسلم عاش يرزح تحت نير الظلم والفساد وإشاعة الفحش والمطاردات الأمنية للصالحين وملء السجون بالناصحين ، ومحاربة الحجاب والتمكين للتغريب والغزو الفكري والأخلاقي ، ووقع الناس في ضيق وحرج فغضبوا واحتشدوا للإعلان عن استيائهم ، وواصلوا احتجاجهم على الرغم من قسوة الحاكم وأعوانِه من الظلمة المتجبرين ، وفي النهاية انتصر الشعب الرافض للظلم المطالب بالعدل والإصلاح ، وهرب المجرم الذي نشر كل صور الفساد وحارب الشريعة والأخلاق الإسلامية ، هرب هو وأعوانه وأقاربه من المفسدين ومعهم المليارات من ثروات المسلمين .

هرب فزعا من غضبة الجماهير ، وسيظل مروعا وهو ينتظر لحظة تسليمه ليلقى جزاءه على ما اقترفت يداه من قتل وسرقة وخيانة .

وتبعه في بلد أخرى سقوط طغاتها ، يراهم الناس أذلة خلف القضبان ،أو مطرحين على أسرة المرض داخل الأقفاص ، يتجرعون غصص الهوان على ما اقترفت أيديهم من الخيانة وشدة العداوة والخصومة مع دين الأمة وشريعتها وأخلاقها ، وموالاتهم للأعداء من اليهود والنصارى .

وثالث ظل يقتل شعبه ويبالغ في الإجرام لكنه تهاوى أمام إصرار الشعب على إزاحته فسقط تحت أرجل المقاومين صريعا ذليلا بعد مهانة وعذاب ..

 ورابع أزيح مثخنا بجراحه ، وعاد يحاول لكن الشعب أصر على عزله فعزل ، وانتصر الشعب في هذه الجولة وللشعوب مع طغاتها صولات وجولات ، {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ }ص3

فها هو ينتظر محكمة الدنيا الصغيرة ،فإن أفلت من هذه فهو قادم لا محالة على المحكمة الكبرى المهولة بين يدي الجبار سبحانه في يوم  { لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ }   الروم43 - 44

والخامس يتهاوى قبل أن يصطرع تحت أقدام جند الشام البواسل إن شاء الله ، والطوفان المبارك يندفع بهديره وروعته وعنفوانه ، فهل من مُدّكر.

 

على أنه ينبغي التنبه لأمر هو أن هؤلاء العلماء ربما استحضروا في فتواهم المشار إليها آنفا بيئة خاصة وبلدا معينا ، ولاحظوا أن المطالبين بالسماح لهم بالمظاهرات والاعتصامات أسوة بالدول المتحضرة حسب وصفهم لها في كتاباتهم ، هم ثلة من الجهلة بأحكام الشريعة والمفتونين بثقافة الغرب والداعين لتنفيذ برامج التغريب والانفتاح ، والمطالبين بمزيد من الحرية للرجال والنساء ، ويقصدون بالحرية الانفلات من أحكام  الشريعة وإلزاماتها ، ويصرحون بأن من حق المرأة أن تلبس ما تشاء وتصاحب من تشاء وتسافر بغير محرم كما تشاء ضاربين بالنصوص الشرعية المحكمة بوجوب الحجاب وحرمة سفر المرأة بغير محرم عرض الحائط ، وهي دعوات خبيثة مرذولة يجب أن يعاقب من يتجرأ بالمطالبة بها لقطع دابر الفتنة وحماية المجتمع من تلك الشرور ، وهذا واجب على العلماء والأمراء .

والعجب الذي يحتاج إلى تفسير هو أن المطالبين بالمظاهرات في تلك البلاد الطيبة ، والمتمردين على الشريعة ، والمتجرئين على الأقوال الباطلة هم محل الثقة عند من يضيقون بتمردهم اليوم ، وهم الذين زرعوا كرؤساء للمهام التربوية والإعلامية ، فتأمل كيف جاءهتم الهموم من قبلهم ! .

وعلى هذا التوصيف يمكن أن نفهم فتاوى عدد من العلماء المعاصرين في منع المظاهرات أنها فتاوى خاصة ببلد مسلم هو إلى الخير أقرب من غيره ، ولكون الذين يطالبون بذلك هم الليبراليون .

ولا ريب أن ثمة أموراً تحتاج إلى الإصلاح حتى في هذه البلاد التي يكثر فيها الخير فلو كان أولياء الأمور يستجيبون لنصح العلماء بقدر كاف ، لما كان للتظاهر حاجة ولا معنى ، أما إذا كان الانحراف يقع ولا يستجيب المتنفذون للعلماء فلا بأس أن يستعمل الصالحون هذه الوسيلة أي التظاهر السلمي للمطالبة بالإصلاح والحقوق .

وقال أحد العلماء في معرض تجريمه للمظاهرات : هذا من الإلحاد الخميني في بلاد الحرمين .. يشير إلى ما وقع من الروافض في الحرم المكي قبل ربع قرن من الزمان ، واستدعى المواجهة بحزم وصرامة لقطع دابر فتنتهم ، ثم تابع هذا العالم فقال: فلا يجيز المظاهرات إلا الهمج الرعاع !! .

وبحثنا إنما هو  بحثنا حول المظاهرات كوسيلة لتحقيق مقصود شرعي من المطالبة بالإصلاح والحقوق ورفع الظلم ، مع رفض كل صور الباطل التي قد تدخل على هذا الأصل ، فالمظاهرات التي تمجد أئمة المبتدعة ورؤوس الزندقة وأهل العداوة الظاهرة مع أهل السنة والجماعة ، والمبغضين للصحابة رضي الله عنهم ، هي مظاهرات مجرمة آثمة يجب أن تواجه بكل قوة لقطع دابر الفتنة ، ودرء خطر البدعة .

وعالم آخر يحمل على المظاهرات حملة شديدة ويفتي بعدم جوازها لأمرين:  الأول أنها تشبه بالكفار ، وقد مرّ الجواب عن ذلك ، والثاني أنه سأل المستفتي: أيكون مع الشبان المتظاهرين شابات ؟ فقال: نعم ،فقال مستنكرا متهكما : ما شاء الله !! . فنقول: فإن لم يقع اختلاط أو تلاصق حيث كان النساء في جانب والرجال في جانب ، والنساء محجبات يحملن لوحات كُتب عليها عبارات حول ما يطالبن به كما شاهدنا تلك الصورة الوضيئة للنساء الصالحات في اليمن ، فما وجه المنع ؟ ثم إن الاختلاط الذي قد يقع في المظاهرات تابع غير مقصود ويمكن أن يعالج بالتنبيه والتوجيه ، وإلا فمثله قد يقع في الحج ولم يقل أحد بمنع حج النساء مع الرجال لوقوع الاختلاط في الطواف ، وإنما يقوم أهل الحسبة والعلماء بمنع الاختلاط والنصح ومنع دخول النساء في الزحام مع الرجال لتخفيف المفسدة ، ثم نسأل المانعين من المظاهرات ما حكم المظاهرات إن خلت من الاختلاط ؟ بل نسأل: ما حكم المظاهرات إن كانت للمطالبة بمنع الاختلاط الحاصل في المدارس والجامعات والمستشفيات والأسواق والنوادي والحدائق والمواصلات العامة ودواوين الوظائف في الحكومة والشركات الخاصة .

 

فوقفتنا مع هذه الفتوى تتعلق بتعميمها ، فليس كل بلد يناسبها أن نقول للمصلحين فيها والصادعين بالحق والدعاة إلى الكتاب والسنة والشرفاء الذين يشق عليهم أن يروا الظلم البين في إقصاء شرع الله ومحاربة الشريعة وتدويخ العلماء وسجنهم وتشريدهم ، وإطلاق الأبواق في الإعلام تثير الشبهات على الدين الإسلامي وتقطع الطريق على طلاب الحق الراغبين في الاستقامة ، ليس صحيحا أن يقال لهم إياكم أن ترفعوا أصواتكم محتجين أو تتجمعوا لذلك للضغط على الحكام ، مع أنهم – أي الحكام -   سادرون في غيهم ، لا يستجيبون لنصح ولا يصغون لإرشاد ،بل إن ظلمهم قد بلغ إلى درجة أن يعود على الدين بالنقص  ، فهم  يسجنون الناصح ويعرضونه للتعذيب والإهانة ويفتنون الناشئة إذا توجهوا للتدين والمحافظة على الصلوات في الجماعة ، وتمسكوا بأخلاق الإسلام ، وقد جرب المصلحون ذلك على مدى عقود من الزمن ، ينصحون ويصبرون والطغاة لا يزيدهم ذلك إلا طغيانا وفسادا .

 

لقد كان دور هذه الأنظمة الفاسدة حماية مصالح الأعداء ، ومعاونتَهم في مطاردة الصالحين وسجنهم وتشويه دعوتهم لئلا يتربى على أيدي هؤلاء الدعاة الجيل الصالح الذي يدافع عن دينه ويذود عن حمى أمته أمام جحافل الغزو العسكري الصليبي أو الغزو الفكري الغربي .

ومما يحزن القلب ويؤلم النفس أن الطغاة من الحكام الظلمة المسرفين قد نجحوا في استقطاب ثلة ممن ينتسبون إلى العلم والدعوة ليدافعوا عنهم ، ويثبطوا الهمم ، ويحبطوا النفوس التواقة للعيش في ظلال الشريعة الربانية ينعمون بالعدل والكرامة .

 

طرائق ووسائل للتعبير عن الرأي لدى شعوب العالم :

( الاعتصام السلمي والمظاهرات -  الإضراب عن الطعام – الإضراب عن العمل وهو ما يسمى العصيان المدني )

ومن صور الاحتجاج الإضراب عن الطعام للضغط على جهة وقع منها الظلم على المضرب ولم تفلح المطالبة برفع الظلم وإعطاء الحق كما يحدث في سجون الظالمين أو في سجون اليهود في فلسطين المحتلة .

حكم هذه الوسيلة :

لم يختلف العلماء في منع الإضراب عن الطعام إذا كان يؤدي إلى الهلاك لقول الله تعالى   {وَلا تَقْتُلُوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} [النساء من الآية 29]، ولقوله تعالى : ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195 ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار" (أخرجه أحمد وابن ماجة بسند صحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما)، والحديث ينهى المسلم عن إلحاق الضرر بالنفس أو إلحاق الضرر بالغير.

وقد أجاز الإضراب عن الطعام للحاجة بعضُ أهل العلم إذا لم يفض إلى الهلاك وغلب على الظن حصول المقصود منه وهو استجابة السجانين لبعض المطالب المشروعة للسجين على سبيل المثال.

يقول الإمام الشاطبي في كتابه الفذ "الموافقات" : إن هذا الحديث أصل قطعي في أن الضرر والضرار ثابت منعه في الشريعة كلها في الوقائع الجزئية والقواعد الكلية.اهـ

قال ابن رجب في شرح الخمسين حديثاً (2/232) : ومما يدخل في عموم قوله   "لا ضرر" أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم ألبتة ، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضار لهم في أبدانهم .

 

 

حكم الإضراب عن العمل لتحقيق بعض المطالب للعامل أو تحسين بعض الأوضاع ؟

ومن صور التعبير الجماعي عن الرأي والاحتجاج على الظلم الإضراب عن العمل أي الامتناع عن أداء العمل المكلف به في العقد من غير داع لذلك فهذا إخلال بعقد العمل بين العامل من جهة وصاحب العمل من جهة أخرى ، ولقد أمر الله عز وجل المكلف في كتابه الكريم بالوفاء بالعقود أي بالعهود التي عقدها مع الغير ، ولا يحل له أن ينكث في عهده ويمتنع عن أداء ما عليه بمقتضى العقد  لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) المائدة /1

أما إذا أخلّ صاحب العمل بشروط العقد كأن أنقص أجره المتفق عليه بينهما أو أخّر إعطاءه الأجر فللعامل أن يمتنع عن العمل حتى يوفَّى حقَّه لحديث        ( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقُه ) رواه ابن ماجه في كتاب الأحكام من سننه وصححه الألباني.

الأدلة النقلية والعقلية على جواز المظاهرات السلمية المطالبة بالحق والعدل:

أولاً : الأدلة من الكتاب والسنة :

نصوص الوحيين وافرة في النهي عن الظلم وذمه وتقبيحه والسعي في دفعه واجتنابه ، والأمر بالعدل والحض عليه.

فمن الأدلة على تحريم الظلم في الكتاب العزيز:

{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }

{تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}البقرة229

{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ }الأنعام47

{إنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }الأنعام135

{وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ }إبراهيم42

{وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ }الشورى8

{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }آل عمران57

{وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ }آل عمران151

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }المائدة51

{أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ }هود18

{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ }إبراهيم13

إ{ِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }إبراهيم22

{وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ }إبراهيم27

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً }الإسراء82

{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً }مريم72

فعاقبة الظلم الإهلاك والخذلان والعذاب وسخط الله واللعنة والخسار .

الأدلة من الحديث:

قال تعالى في الحديث القدسي:(( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا )) رواه مسلم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل .

روى مسلم في صحيحه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .." 

وروى البخاري في صحيحه من حديث أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم

وروى أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي بكر الصديق أَنَّهُ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ"

روى البخاري من حديث مَعقِل بن يَسارقال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ " .

عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا فَلَا يُسْتَجَابَ لَكُمْ .

ورواه أحمد عَنْها قَالَتْ  دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ أَنْ قَدْ حَفَزَهُ شَيْءٌ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ خَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا فَدَنَوْتُ مِنْ الْحُجُرَاتِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبُكُمْ وَتَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلَا أَنْصُرُكُمْ"            

فالظلم محرم بالكتاب والسنة والإجماع والعقل .

وقال الشوكاني في السيل الجرار (4/586) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما العمادان العظيمان من أعمدة هذا الدين والركنان الكبيران من أركانه .

وقال:  وهو مجمع على وجوبهما إجماعا من سابق هذه الأمة ولاحقها لا يعلم في ذلك خلاف ، وإنما وقع الخلاف بينهم في قيود قيدوا بها هذا الوجوب.اهـ

 

والله يحب من عباده الإصلاح والطاعة ويكره الفساد والمعصية ، فالإصلاح والطاعة علامة على أن العباد شكروا نعمته سبحانه فيباركها لهم ويزيدهم من فضله ، وأما المعصية فعلامة على الجحود والنكران فيسلبهم الله نعمه ويمحق بركتها ،وينزع هيبتهم من صدور أعدائهم فيتسلطون على المسلمين كما هو واقع الآن ،  فالمتظاهرون المطالبون بالعدل والإصلاح هم سبب بقاء الخيرية في أمة الإسلام وسبب بقاء النعم ، فبهم تدفع النقم ، فكيف يكون احتشادهم للمطالبة بالعدل والإصلاح فساداً وانحرافا؟!

فهؤلاء الحكام المسرفون قد أهلكوا رعيتهم بالجور ، فقد استعانوا على تدبير الملك وتسيير شئون الأمة بمن ليسوا أهل ثقة وديانة ، فقل الخير وزاد الشر وضج الناس بالشكوى لمصابهم في الدين والدنيا .

 

وربما يعترض أحد على إطلاق القول بجواز المظاهرات السلمية بأن المبادرة بالاحتشاد والتظاهر قبل المناصحة الهادئة لأولياء الأمور مخالفة لما كان عليه السلف من المناصحة سرا قبل أن يتكلم به على المنابر وفي دروس العلم ومنتديات الناس ، فنقول: أولا قد سئم المصلحون من تكرار النصح وتجرع الغصص بعدم الاكتراث ، بل في كثير من الحالات يصيب الناصحَ الأذى والعنت والسجن لتجرؤه على توجيه النصح لولي الأمر، فلم يبق أمام الناصحين المطالبين بالتغيير والإصلاح إلا هذه الوسيلة المشروعة الناجحة .

وأيا ما كان الأمر فقد أجاز بعض أهل العلم أن يكون الإنكار معلنا إن غلب على الظن أن الحاكم قد يتسلط على من ينكر عليه فيؤذيه أو يسجنه ، فيجوز عند غلبة الظن بذلك المبادرة بالإنكار العلني وهو ما ذهب إليه الجصاص في أحكام القرآن عند تفسيره لقول الله تعالى { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

آل عمران 104

 قضية استئذان الحاكم  في تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية :

ذهب قوم من أهل العلم إلى اشتراط إذن الإمام أو الوالي للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وذهب جمهور فقهاء المذاهب إلى عدم اشتراط إذن الإمام وولي الأمر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وردوا على الفريق الأول: بأن الآيات والأخبار الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عليه عصى إذ يجب نهيه أينما رآه وكيفما رآه على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له.

وقال الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد الغنيمي في كتابه حكم تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية

يثير البعض قضية استئذان الحاكم في التغيير، بمعنى أنهم يقولون: نعم لآحاد الرعية أن يغيروا ولكن لا بد من إذن الحاكم في ذلك.

والحق أن النصوص التي أوردناها كما أنها تدل على أن التغيير باليد ليس خاصاً بالحكام فإنها أيضاً تدل على عدم اشتراط استئذانه في التغيير، وهذا الشرط تحكمٌ لا دليل عليه، فهو شرط باطل ولا شك.

 

يقول الغزالي رحمه الله: ((هذا الاشتراط فاسد؛ فإن الآيات والأخبار التي أوردناها تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عليه عصى، إذ يجب نهيه أينما رآه وكيفما رآه على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له)) .

وقال: ((بل أفضل الدرجات كلمة حق عند سلطان جائر، كما ورد في الحديث فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه؟)).

وقال: ((واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بمعروف، فإن كان الوالي راضياً فذاك وإن كان ساخطاً له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه، فكيف يُحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه؟)).

فإذا كانت المظاهرات من قبيل تغيير المنكر فقد نقل النووي الإجماع على عدم اشتراط إذن الولاة في التغيير .

ثانيا : الأدلة من السنة :

قصة حلف الفضول والتي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:(لقد حضرت حلفاً في دار ابن جدعان ما أود أن لي بها حمر النعم,ولو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت)

وجه الدلالة :

وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول وهو حلف كان في الجاهلية أقامه جماعة من أهل مكة تعاهدوا فيه أن ينصروا المظلوم ويعينوه حتى يستوفي حقه من ظالمه ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : فَاجْتَمَعَ بَعْض مَنْ كَانَ يَكْرَه الظُّلْم وَيَسْتَقْبِحهُ إِلَى أَنْ عَقَدُوا الْحِلْف , وَظَهَرَ الْإِسْلَام وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ .

وقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَتَعَاهَدُونَ فِي الْإِسْلَام عَلَى الْأَشْيَاء الَّتِي كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ، وفي صحيح مسلم  من حديث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم مَرْفُوعًا " لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام , وَأَيّمَا حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَام إِلَّا شِدَّة "

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ حَالَفَ بَيْنهمْ أَيْ آخَى بَيْنهمْ , يُرِيد أَنَّ مَعْنَى الْحَلِف فِي الْجَاهِلِيَّة مَعْنَى الْأُخُوَّة فِي الْإِسْلَام , لَكِنَّهُ فِي الْإِسْلَام جَارٍ عَلَى أَحْكَام الدِّين وَحُدُوده , وَحِلْف الْجَاهِلِيَّة جَرَى عَلَى مَا كَانُوا يَتَوَاضَعُونَهُ بَيْنهمْ بِآرَائِهِمْ , فَبَطَل مِنْهُ مَا خَالَفَ حُكْم الْإِسْلَام وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى حَاله .

واتفقوا في هذا الحلف على نصرة المظلوم ، وتعاهدوا على ذلك ، ثم قاموا لفورهم لتصديق ما تعاهدوا عليه ، فانطلقوا مجتمعين في تظاهرة حاشدة وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم قاصدين الرجل الذي ظلم اليماني ، فلما رآهم الرجل الظالم دخله الخوف منهم وأذعن لأمرهم برد الحق لصاحبه.

وصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم شاركهم في ذلك وهو صغير مع بعض أعمامه ، لكنه صلى الله عليه وسلم أثنى على الحلف بعد البعثة كما في الحديث وقال فيه: " لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت" لما فيه من المروءة والنجدة ونصرة المظلوم وهي قيم أخلاقية أعلى الإسلام مقامها ورفع شأنها .

وهل الاعتصام والمظاهرات السلمية إلا من هذا الباب لإرغام الحكام الظلمة على كف الظلم ورد الحقوق .

وثمة معنى دقيق وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم يثني على حلف قام لنصرة المظلوم وقد كان المظلوم آنذاك كافرًا ، فكيف لو كان الاجتماع من أجل التعاون على رفع الظلم عن جماعة المسلمين ، فإنه يكون آكد وأشدَّ وجوبا .

وبعد أن اتضح صحة التظاهر السلمي للمطالبة بالحقوق ، نشير إلى أن المستبدين والمنتفعين بتفرق الناس وغفلتهم عن القوة الكامنة في اجتماعهم ومظاهرتهم بعضهم بعضا للوقوف أمام الظالم الذي يتجاهل مطالبهم ويؤذي الأفراد المطالبين بها ، فالمستبد الظالم يكره اجتماع الناس حول فكرة أو عالم يسعى لرفع سقف الوعي لدى الناس ، وتعريفهم بحقوقهم ، وتبصيرهم أن في اجتماعهم قوةً ومنعةً من بطش المستبد ، ولهذا نجد أن المصلحين والدعاة الصادقين ينالهم من البطش والأذى والتضييق النصيب الأكبر من ذلك ، لأن يقظة الناس ووعيهم يحد من تسلط الطغاة واستئثارهم  بالثروات ، كما يحد من انبساط أيديهم بالعبث في دين الناس ، وإفساد هويتهم كما يزين لهم شياطين الإنس والجن من أوليائهم في داخل البلاد أو في خارجها، وكما تتجارى بهم أهواؤهم وأمزجتهم وجهلهم .

وقد سجل تاريخ الإصلاح وإنكار المنكرات في تاريخنا صفحات مشرقة سجلها ابن الجوزي في كتابه المنتظم : ذكر فيه قيام عدد من كبار العلماء الشافعية والحنابلة بالاجتماع والاعتصام لإنكار المنكرات التي فشت في بغداد آنذاك من بيع النبيذ وظهور المواخير وشيوع الفحش ، والبيوع المحرمة ، وارتفعت أصواتهم مستغيثين بأمير المؤمنين مطالبين بتتبع مواطن الفساد ، فتقدم أمير المؤمنين فهرب المفسدات واختفت الأنبذة وكبست الدور ، فنجحت المظاهرة ، واستحسنها العلماء لما آلت إليه الأمور من زوال المنكرات وارتداع المفسدين والمفسدات .

ومما ذكره ابن الجوزي في كتابه المنتظم أيضا ما قام به جموع المشايخ ومعهم كثير من الناس من الاحتشاد لإنكار بدعة شتم الصحابة حين فشت في أهل الكرخ ، وقصدت المظاهرة قصر الخليفة والناس في حال غضب ، وتكلموا بغير تحفظ ، (لعله يقصد بعض الشتائم للخليفة وأعوانه) ، فأرسل إليهم الخليفة على الفور بعض أعوانه ، لتهدئتهم ، ووعدهم بمنع ذلك على الفور ومعاقبة من يفعله بعد ، وقال لهم : قد أنكرنا ما أنكرتم ، فانصرفت الجموع .

وثبت أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خرج مع جمع كبير من الناس ليغيروا منكرا ، وبقي معهم في هذه المظاهرة السلمية حتى غيروا ذاك المنكر.

فؤلاء أئمة مشهود لهم بالرسوخ في العلم والأمانة والديانة ، احتشدوا وتجمهروا مع الناس لإظهار النكير على الظلم ، فكانوا أعوانا على الإصلاح ودفع الظلم ، لا أعوانا للظلمة على ظلمهم وفسادهم .

 (رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محبّ الدين الخطيب )

 

وقد فعل ذلك الإمام البربهاري ومعه جموع غفيرة من طلابه ومن عامة الناس ، يخرجون في مظاهرة حاشدة ينكرون المنكرات .

فدعاة الإصلاح حين يتواعدون إلى ساحة كبيرة في موعد محدد ليجتمع الناس لينذروا السلطة برفضهم للمنكرات الموجودة والمظالم المتفشية في المجتمع ، ويطالبونهم بالإصلاح ، حين يفعلون ذلك إنما هم متبعون سنن السابقين من أئمة الدين ، ولا ريب أن الإنكار الجماعي أبلغ تأثيرًا وأقرب لتحقيق المقصود من الإنكار الفردي .

وروى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 50 ، عن محمد بن أبي حرب قال : ( سألت أبا عبدالله – يعني أحمد بن حنبل - عن الرجل يسمع المنكر فـي دار بعض جيرانه ، قال : يأمره , قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : تجمع عليه الجيران ، وتهوِّل عليه ) ، قال الشيخ حامد العلي : وقوله تجمع عليه الجيران ، وتهـوّل عليه أي ليكون ذلك أردع ، عندما يرى تظاهر الجيران كلُِّهم في الإنكـار .

 

 

 وهذا هو سر العداء المستحكم بين الأنظمة المسرفة في طغيانها وخياناتها وبين الجماعات التي تقوم بالدعوة إلى الله وتحرص على المحافظة على الهوية الإسلامية ، وتراقب بانتباه ما تبثه أبواق الإعلام وواضعي برامج الترفيه من السموم الفكرية والأخلاقية .

ولقد عاشت المجتمعات الإسلامية عقودا من القهر بسبب كثرة السجون والمعتقلات للصالحين خاصة ، وسبب ذلك ما أشرنا إليه .

فإذا تجرأ الآلاف من المسلمين في بلد يعاني من الاضطهاد والظلم والفساد المستشري في كل مناحي الحياة ، تجمعوا ليقولوا للظالم : كفى ظلماً ، نريد حقوقنا ، فكيف يكون ذلك فسادا وانحرافاً .

 إنما الفساد في استمرار السكوت ، والانحراف هو تسويغ هذا السكوت.

 

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( انصر أخالك ظالماً أو مظلوماً )) ثم بيّن صلى الله عليه وسلم أن نصرة الظالم بمنعه عن الظلم ، أما نصرة المظلوم فإنها واضحة متجلية لا ريب فيها ويكون بالوقوف معه وشد أزره والمطالبة برفع الظلم عنه.

وترجم البخاري في صحيحه بَاب أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا " وأورد في الباب حديث أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ :  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا "

وفي الحديث نصرة المتظاهرين على تحقيق مقصدهم بالمطالبة بالحقوق وبرفع الظلم ، وفيه أيضا نصرة الحاكم المسلم الظالم .

والأمر بنصرة المظلوم يفيد الوجوب إذ لا صارف له عن ذلك .

ومن محاسن هذه الوسيلة في إنكار المنكرات والمطالبة برفع المظالم أنها تعرف الشعوب المغيبة تحت تخدير وسائل الإعلام المملوكة لهذه الأنظمة تعرفها بحقوقها ، فالدولة هي التي ترسم للإعلام السياسة التي تحقق مآربها وتغيب الشعوب عن إدراك مصالحها .

فلا يخفى ما تقوم به وسائل الإعلام في معظم الأنظمة العربية من الغش وكتمان الحقائق وتزييف الوعي ، وتضليل العامة بتحسين القبيح وتقبيح الحسن ، فتأتي المظاهرات السلمية التي تساهم في رفع سقف وعي الناس وتعريفهم بحقوقهم ، وفضح الممارسات الإجرامية في نهب الثروات والتواطؤ مع أعداء الدين والشريعة.

 فعلى العلماء الذين سارعوا بالفتاوى بتجريم المظاهرات أن يبينوا للشعوب المسلمة أن التحريم والتجريم ليس على إطلاقه وأن المظاهرات السلمية المطالبة بالحقوق والإصلاح مشروعة ومستحبة عند اقتضائها .

فضح الطغيان والتشهير به :

ومما يلاحظ أن هذه الأنظمة الظالمة المسرفة في طغيانها وخياناتها تعمل ألف حساب لصورتها أمام دول العالم ، فنجدها تخفي جرائمها وتتظاهر بالعدل ومراعاة حقوق الإنسان ، فإذا سكتت الشعوب بسبب الخوف والقهر وبسبب التضليل الذي يمارسه الإعلام وبسبب الفتاوى المضلة التي يتقرب بها بعض من ينسب للعلم والوعظ إلى الحكام ، إذا سكتت الشعوب ظن العالم أن ما يقوله الإعلام الرسمي صحيح ، فتأتي المظاهرات السلمية لتُسمَع أصواتُ المظلومين ويفضح الظالمون القساة ، فيضطر سدنة هذه الأنظمة بتقديم المشورة ببعض التحسينات في حياة الناس ومعاشهم ، حتى يهدأ الناس ، ولو كانت الشعوب واعية لما أوقفت مظاهراتها السلمية حتى يرتدع الظلمة ويكفوا أيديهم عن ظلم الناس في دينهم ودنياهم .

والتشهير بالظلمة يكاد أن يكون سنة شرعية ليرتدع غيره " { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } قال الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [ 2 ] ) أمر أن تحضر جماعة من المسلمين إقامة حد الزنا تحقيقا لإقامة الحد وحذرا من التساهل فيه . ثم قال:   "وفيه فائدة أخرى وهي أن من مقاصد الحدود مع عقوبة الجاني أن يرتدع غيره وبحضور طائفة من المؤمنين يتعظ به الحاضرون ويزدجرون ويشيع الحديث فيه بنقل الحاضر إلى الغائب " .

 وفي التفسير الميسر " وليحضر العقوبةَ عدد من المؤمنين; تشنيعًا وزجرًا وعظة واعتبارًا" .

وفي حد الطائفة أقوال ، أحسنها قول مجاهد ، فقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : الطائفة واحد إلى الألف " وقد أخرج ابن جرير الطبري عن أبي بكر الحنفي قال سمعت سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ : " إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، فَحَسْبُكَ بِهِ " .

إذن التشنيع على الجريمة والزجر عنها باحتشاد الناس وسماعهم  ورؤيتهم مقصد من مقاصد التشريع ليتعظ الجاني ويزدجر .

الدليل السادس عشر:

قال الله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض )البقرة الآية 251 ومن أوضح مظاهر سنة التدافع المظاهرات والاعتصامات السلمية

الدليل الحادي والعشرون

ومن أقوى الأدلة على جواز المظاهرات السلمية للتنديد بالظلم والمطالبة بالحقوق الواقع الذي شاهدناه حيث سقط عدد من الطغاة المتجبرين ورفع الظلم عن الناس ونالوا الحرية في أن يظهروا شعائر الدين دون خوف من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ، وشفيت صدور المؤمنين برؤية الظالمين أذلة منكسرين أو صرعى في دمائهم مضرجين .

لقد طال ليل العرب المسلمين تحت الاستبداد والفساد والظلم بسبب قسوة الأجهزة الأمنية وإفك وسائل الإعلام الغشاش ، وفتاوى مضلة من بعض المنتسبين للعلم الشرعي أحاطت هذا الظلم بسياج من الحماية .

هذا وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

 

 

 

 

 

 

 

 
تم وضع مادة كبيرة مرئية للشيخ صفاء في شرح كتاب الجهاد من صحيح البخاري
انتظرونا في موعظة الجمعه
 
تم بفضل الله عز وجل وضع مادة صوتية كبيرة للشيخ في شرح أبواب من الصحيح
 
 
 
Aldawy
القائمة الرئيسية
بحث في الموقع
Aldawy

موقع الشيخ الدكتور صفــاء الضوي العدوي 1428هـ
Designed and developed by Abdulaziz Gouda 2007 1428